جمعية البنوك اليمنية - صنعاء بتاريخ: 2026/04/24
محمد الخطيب *
بين بداية التسعينيات وعام 2026 لم تتطور البنوك بسبب التكنولوجيا بقدر ما أعادت التكنولوجيا تعريف ما تعنيه كلمة بنك. ففي 1990 كان الإنترنت شبه هامشي عالمياً (أقل من 0.05 مستخدم لكل 100 شخص). وفي 2023 وصل الاستخدام العالمي للإنترنت إلى نحو 67.4 لكل 100 شخص. وفي 2025 قدرت (ITU) عدد مستخدمي الإنترنت بنحو 6 مليارات (74% من سكان العالم).
هذا التوسع الهائل في الاتصال بالتزامن مع ثورة الهواتف الذكية والمدفوعات الرقمية والبيانات الضخمة نقل تكنولوجيا المعلومات من وظيفة تشغيلية خلفية إلى "قدرة مؤسسية" تحدد: سرعة النمو - كلفة الخدمة - قوة الامتثال - وحجم المخاطر.
( 1990 – 1999 ) : من الحوسبة الداخلية إلى بداية "قناة الإنترنت"
في بداية التسعينيات كانت تكنولوجيا المعلومات تتمحور حول:
●ميكنة دفتر الأستاذ - الحسابات - التسويات - إدارة الفروع.
●بناء شبكات ربط خاصة بين الفروع ومراكز البيانات.
●إدخال مبكر لأنظمة البطاقات والصرافات كقنوات شبه مستقلة.
وكان التركيز على صحة القيود وسرعة المعالجة داخل المؤسسة وليس على تجربة عميل رقمية. لكن منتصف التسعينيات أحدث شرخا في النموذج وذلك بعد دخول الإنترنت كقناة عامة للوصول للخدمة.
كان الإنترنت صغيراً ثم بدأ يصنع مساراً جديداً وفي هذا السياق تظهر البيانات العالمية كم كان الإنترنت محدوداً في بداياته:
●في 1990: نحو 0.05 مستخدم لكل 100 شخص عالميا.
●في 1995: نحو 0.68 مستخدم لكل 100 شخص.
●في 2000 (نهاية العقد تقريبا): نحو 6.72 مستخدم لكل 100 شخص.
هذه الأرقام تبدو صغيرة لكنها تفسر "لماذا" كانت الخدمات المصرفية عبر الإنترنت في التسعينيات رائدة ومحدودة الانتشار: كون القناة نفسها كانت في طور التشكل.
ويمكن القول أن الأثر المصرفي الاستراتيجي قد في نهاية التسعينيات من خلال:
●ظهور الخدمات المصرفية عبر الإنترنت أخرج تقنية المعلومات من الغرف الخلفية إلى واجهة العميل.
●بدأت معادلة جديدة: كل توسع في القنوات الرقمية يخلق قيمة لكنه يفتح مساحة تهديد جديدة (هوية - كلمات مرور - اختراق - احتيال).
●هنا ولدت فعلياً فكرة "الأمن ليس اختيارا" بل شرط ثقة.
( 2000 - 2009 ) : التحول الحقيقي من ميكنة مهام إلى هندسة عمليات
في هذا العقد نضجت الأنظمة البنكية المركزية وركزت البنوك على:
●توحيد الأنظمة المتفرقة في نظام بنكي مركزي (Core Banking) أو طبقات تكامل حوله.
●إعادة هندسة العمليات (فتح حساب - منح تسهيلات - تسويات - تحصيل) لتصبح معيارية وقابلة للقياس.
●بناء مستودعات بيانات وتقارير رقابية أكثر اتساقا.
اتساع الإنترنت خلال هذا العقد غير توقعات السوق وبحلول 2005 وصل استخدام الإنترنت عالمياً إلى 15.6 لكل 100 شخص وفي 2009 إلى 25.4 لكل 100 شخص.
هذا التوسع خلق ضغطاً متزايداً وبدأ العميل الذي يستخدم الإنترنت في حياته اليومية يتوقع من البنك على الأقل "استعلاما" و"خدمة عن بعد" و"سرعة رد".
وانعكس ذلك على القطاع المالي والمصرفي في:
1.خفض كلفة الوحدة التشغيلية: كل عملية تنتقل من الفرع إلى النظام تقلل وقت الموظف وأخطاء الإدخال.
2.تغير مفهوم الرقابة: لم يعد التدقيق لاحقا فقط بل أصبحت الأنظمة قادرة على منع/تنبيه فوري عبر قواعد الصلاحيات والحدود.
3.بداية الحوكمة التقنية: لأنه مع التوحيد أصبح فشل نظام واحد قادراً على إيقاف البنك كله.
( 2010 - 2016 ) : الموبايل والبيانات والانتقال من "قناة" إلى "تجربة"
في هذه الفترة أصبح الهاتف فرعاً دائماً فمع بداية 2010 كان الإنترنت يصل عالمياً إلى 28.5 لكل 100 شخص ثم ارتفع تدريجياً إلى 42.9 في 2016.
لكن الفارق النوعي لم يكن في الإنترنت كوسيط فقط بل في الهاتف الذكي كمنصة خدمة.
وتشير GSMA إلى أنه بنهاية 2016 كان هناك 4.8 مليار مشترك موبايل فريد (unique subscribers) و7.9 مليار اتصال SIM عالمياً.
باتت هذه الأرقام تعني شيئاً تنفيذياً مباشراً: "السوق أصبح يحمل القناة في جيبه". وهنا تغيرت أولويات البنوك وأصبحت:
●تطبيقات مصرفية بدلاً من بوابات ويب فقط.
●إشعارات لحظية وخدمات 24/7 وربط أوسع بالخدمات اليومية.
●توسع أنظمة مكافحة الاحتيال لأن سرعة المعاملة زادت وأصبحت "فورية" على قنوات عامة.
والأمر الأهم أن البيانات أصبحت رأسمالا وخلال الفترة 2010–2016 بدأت البنوك تنتقل من تقارير إدارية إلى تحليلات سلوكية (Behavioral Analytics) وتجلى ذلك من خلال:
●تجزئة العملاء - توقع الاحتياج - إدارة المخاطر عبر مؤشرات مبكرة. وهذه الخطوة مهدت لما سيأتي لاحقاً: الذكاء الاصطناعي.
( 2017- 2020 ) : منصات الـAPI والمدفوعات الرقمية كواقع اقتصادي
شكلت هذه الفترة مرحلة مفصلية لأنها شهدت اكتمال ثلاث حلقات معا:
- نضج الهواتف الذكية عالميا.
- صعود شركات الفنتك ونموذج “الخدمة كمنصة”.
- توسع سريع في المدفوعات غير النقدية.
ويذكر تقرير World Payments Report 2020 أن حجم معاملات الدفع غير النقدي عالميا وصل إلى 708.5 مليار في 2019 (بعد نمو 14% بين 2018 و2019).
هذا الرقم وحده يوضح انتقال الاقتصاد الفعلي إلى مسارات رقمية وما يعنيه ذلك للبنوك:
●الضغط على جاهزية المعالجة (Throughput) والاتاحة العالية.
●حاجة أكبر لإدارة مخاطر العمليات الرقمية والاحتيال.
●توسع تكاليف الامتثال (KYC/AML) لأن حجم وحركة المعاملات زادت.
ولم يعد الإنترنت "ميزة" بل أساساً ففي 2019 وصل استخدام الإنترنت عالميا إلى 53.2 لكل 100 شخص.
وفي تقارير (ITU) قدر عدد المستخدمين في 2019 بنحو 4.1 مليار.
(2020 - 2026) : المرونة التشغيلية معيار (ISO 20022) والذكاء الاصطناعي يدخل قلب القرار
مثلت هذه المرحلة مرحلة انضباط بقدر ما هي توسع رقمي؛ لأن اتساع القنوات يعني اتساع أثر أي خلل.
(أ) المرونة التشغيلية: من حماية النظام إلى حماية الخدمة
قدمت لجنة بازل مبادئ المرونة التشغيلية ومنها تلك التي تؤكد على أن البنك يجب أن يفترض حدوث التعطلات ويحدد "tolerance for disruption" ضمن سيناريوهات شديدة لكنها معقولة.
والمعنى التنفيذي لذلك بالنسبة للبنوك في 2026:
●لم يعد كافياً القول "لدينا DR" بل المطلوب تعريف الخدمات الحرجة - حدود تحملها للانقطاع ثم اختبار قدرة التعافي بشكل دوري وربطها بتقارير المخاطر.
(ب) ISO20022 البيانات الأغنى تعني امتثالاً وتحليلا أقوى بشرط الجاهزية
في المدفوعات عبر الحدود أصبح ISO 20022 معيار الرسائل العالمي. سويفت توضح أن فترة التعايش (coexistence) تنتهي في 22 نوفمبر 2025.
وبالتالي في 2026 كثير من البنوك لا تتعامل مع ISO 20022 كمشروع "ترحيل صيغة" فقط بل كمشروع:
●جودة بيانات (Data Quality).
●امتثال (Screening/AML) أكثر دقة بفضل حقول أغنى.
●تحديث تكاملات واختبارات من طرف لطرف عبر السلسلة كاملة.
(ج) المدفوعات غير النقدية تصل لمرحلة "التريليون"
أشار تقرير ( World Payments Report
Capgemin) إلى أن أحجام المعاملات غير النقدية ستصل إلى 1.3 تريليون في 2023 عالميا مع توقع استمرار النمو.
كما أشار تقرير World Payments Report 2026 إلى أن حجم المعاملات غير النقدية ازداد "أكثر من عشرة أضعاف " في أقل من 20 سنة.
هذه المؤشرات تعني في 2026:
●"المدفوعات" لم تعد خدمة مساندة بل محركا تنافسيا رئيسياً (تسعير - تجربة شراكات).
●البنية يجب أن تتحمل الذروة وخطأ بسيط قد يصبح حدثا عاما خلال دقائق.
(د) الذكاء الاصطناعي: من التحليل إلى المشاركة في التشغيل
في 2026 الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد نماذج احتيال تقليدية؛ بل أصبح يشمل:
●دعم خدمة العملاء (تلخيص - ردود ـ توجيه)
●أتمتة المستندات والأعمال الخلفية.
●تحسين كشف الاحتيال والتنبؤ بالمخاطر.
لكن كل "ذكاء" جديد يخلق "سطح هجوم" جديد. ومن هنا تظهر الدلالة الإحصائية التالية للكلفة المالية للاختراقات في القطاع المالي:
تشير IBM في 2024 إلى أن متوسط كلفة خرق البيانات عالميا بلغ 4.88 مليون دولار بينما في قطاع الخدمات المالية بلغ 6.08 مليون دولار لكل حادثة (أعلى بنحو 22% من المتوسط).
هذه ليست أرقام تقنية بل أرقام مجلس إدارة: كلفة مباشرة - كلفة فقد ثقة - كلفة تنظيمية وكلفة توقف خدمة.
(هـ) البنية التحتية للاتصال تتقدم بسرعة (5G) لكن الفجوة الرقمية قائمة
تشير ITU إلى أن مستخدمي الإنترنت في 2025 وصلوا إلى قرابة 6 مليارات (74%) مع بقاء 2.2 مليار دون اتصال وتشير تقارير مبنية على ITU إلى توسع 5G وكونه يشكل نحو ثلث اشتراكات النطاق العريض المتنقل عالميا (قرابة 3 مليارات) مع تباين كبير في التغطية بين الدول.
وهذا يعني بالنسبة للبنوك في 2026:
حتى لو كانت التكنولوجيا متاحة عالميا ليست "جودة الاتصال والمهارة الرقمية" متساوية وبالتالي تصميم المنتجات الرقمية يجب أن يراعي فروقات السرعة والقدرة والموثوقية.
خلاصة تحليلية: كيف غيرت تكنولوجيا المعلومات قواعد اللعبة (1990 - 2026) ؟
إذا اختصرنا ثلاثة عقود ونصف في نقاط تنفيذية سنجد أن تكنولوجيا المعلومات غيرت القطاع المصرفي عبر خمسة مسارات كبرى:
1.تحويل الخدمة من مكان إلى قناة: من الفرع إلى الإنترنت ثم إلى الموبايل.
والدليل: قفزة استخدام الإنترنت عالمياً من 0.68 لكل 100 في 1995 إلى 67.4 لكل 100 في 2023.
2.تحويل التكلفة من ثابتة إلى متغيرة: كلما زادت الخدمات الرقمية زاد هامش التوسع دون تضخم مماثل في شبكة الفروع بشرط اتقان التشغيل والحوكمة.
3.تحويل المخاطر: من مخاطر ورقية/تشغيلية محلية إلى مخاطر سيبرانية/طرف ثالث/سلاسل توريد تقنية مع كلفة مرتفعة جداً لكل حادثة في القطاع المالي.
4.تحويل المدفوعات إلى محرك تنافسي: النمو إلى مئات المليارات ثم التريليون في المعاملات غير النقدية يجعل المدفوعات مركز الاستراتيجية وليس ذيلا لها.
5.تحويل البيانات إلى أصل استراتيجي: ISO 20022 والذكاء الاصطناعي يرفعان قيمة "البيانات الصحيحة" ويجعلان حوكمة البيانات جزءًا من الامتثال والربحية معا.
ماذا يعني ذلك للقيادات التنفيذية القطاع المصرفي في 2026 ؟
بدلا من سؤال "ما النظام الذي سنشتريه؟" أصبح هناك أسئلة تنفيذية أدق ومنها:
●ما هي خدماتنا الحرجة وما حد تحملها للانقطاع وكيف نثبت ذلك بالاختبار؟
●هل نعامل (ISO 20022) كمطلب امتثال فقط أم كقاعدة بيانات جديدة للمنتج والامتثال والتحليلات؟
●كيف نستخدم الذكاء الاصطناعي دون أن نضاعف المخاطر (بيانات صلاحيات ظل- ذكاء shadowAI )؟
●ما هي كلفة الاختراق "المتوقعة" وكيف نقارنها بتكلفة الاستثمار الوقائي خصوصاً والقطاع المالي ضمن الأعلى كلفة؟
*خبير في تقنية المعلومات
المراجع والمصادر:
1.World Bank / World Development Indicators (WDI) via FRED (St. Louis Fed). Internet users for the World (per 100 people), 1990–2023.
2.International Telecommunication Union (ITU). Statistics page: 6 billion (74%) online in 2025; increase from 60% in 2020; 2.2 billion offline.
3.ITU. Facts and Figures 2020 (PDF) حول وضع الاتصال بنهاية 2019 والفجوات.
4.ITU. Facts and Figures 2019 (4.1 billion Internet users in 2019).
5.GSMA. Press release (2017): 4.8 billion unique mobile subscribers; 7.9 billion SIM connections by end-2016.
6.GSMA. Our history (2016 milestones): 7.9 billion mobile connections; 4.8 billion unique subscribers.
7.Capgemini Research Institute. World Payments Report 2020 (PDF): global non-cash transactions 708.5 billion in 2019; growth stats.
8.Capgemini Research Institute. Press release 2023: non-cash transaction volumes to reach 1.3 trillion by 2023.
9.Capgemini. World Payments Report 2026 webpage: non-cash volumes increased more than tenfold in <20 years.
10.Basel Committee on Banking Supervision (BCBS) / BIS. Principles for Operational Resilience (PDF, 2021).
11.BIS / FSI. Executive Summary: Principles for operational resilience (tolerance for disruption, assume disruptions will occur).
12.SWIFT. ISO 20022 for Financial Institutions: coexistence ends 22 November 2025.
13.IBM. Cost of a Data Breach 2024 – Financial industry: average breach cost 6.08M; global average 4.88M.
14.مرجع داعم لفجوة 5G واتساع الاتصال في 2025 مبني على ITU TV Technology – ITU: 6 Billion Now Online Globally (Nov 2025).